جلال الدين السيوطي
628
الإتقان في علوم القرآن
ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم « نبدأ بما بدأ اللّه به » « 1 » . أو بالذّات ، نحو : مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [ النساء : 3 ] . ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ [ المجادلة : 7 ] وكذا جميع الأعداد : كلّ مرتبة هي متقدّمة على ما فوقها بالذات . وأما قوله : أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى [ سبأ : 46 ] فللحثّ على الجماعة والاجتماع على الخير . السابع : السببية : كتقديم العزيز على الحكيم ؛ لأنه عزّ فحكم . والعليم عليه ؛ لأن الإحكام والإتقان ناشئ عن العلم . وأما تقديم الحكيم عليه في سورة الأنعام . فلأنه مقام تشريع الأحكام . ومنه : تقدم العبادة على الاستعانة في سورة الفاتحة ؛ لأنها سبب حصول الإعانة ، وكذا قوله : يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [ البقرة : 222 ] ؛ لأن التوبة سبب الطهارة . لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [ الجاثية : 7 ] ؛ لأنّ الإفك سبب الإثم . يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [ النور : 30 ] ؛ لأنّ البصر داعية إلى الفرج . الثامن : الكثرة : كقوله : فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [ التغابن : 2 ] ؛ لأنّ الكفار أكثر . فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ الآية ، قدّم الظالم لكثرته ، ثم المقتصد ، ثم السابق . ولهذا قدّم السارق على السارقة ، لأن السرقة في الذكور أكثر . والزانية على الزاني ، لأن الزنى فيهنّ أكثر . ومنه تقديم الرحمة على العذاب حيث وقع في القرآن غالبا ، ولهذا ورد : « إنّ رحمتي غلبت غضبي » « 2 » . وقوله : إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [ التغابن : 14 ] قال ابن الحاجب في أماليه : إنّما قدم الأزواج لأن المقصود الإخبار أنّ فيهم إعطاء ، ووقوع ذلك
--> ( 1 ) هو جزء من حديث جابر في حجة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : رواه مسلم ( 1218 ) ، وأبو داود ( 1905 ) ، وابن ماجة ( 3074 ) ، والدارمي ( 1850 ) ، وأبو يعلى ( 2027 - 2028 - 2126 - 6739 - 6751 ) ، وابن خزيمة ( 2603 ) ، والبيهقي 5 / 7 - 9 . وانظر تخريجنا لسنن ابن ماجة . ( 2 ) رواه البخاري ( 3194 - 7404 - 7422 - 7453 - 7553 - 7664 ) ، ومسلم ( 2751 ) ، والنسائي في سننه الكبرى ( 7750 - 7751 ) ، والترمذي ( 3543 ) ، وابن ماجة ( 189 - 4295 ) ، وأحمد في المسند 2 / 242 - 258 - 259 - 260 - 313 - 358 - 397 - 433 - 466 . وابن منده في الرد على الجهمية ( 53 ) ، وابن حبان ( 6144 - 6145 ) ، وابن خزيمة في التوحيد ص 58 ، وابن أبي عاصم ( 608 - 609 ) ، والبغوي في شرح السنة ( 4177 - 4178 ) من طرق عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - .